fbpx
التحليل الأساسي

سياسة الفائدة السلبية – تعريفها وتأثيراتها

سياسة الفائدة السلبية - ايجابياتها وسلبياتها

مقدمة حول أسعار الفائدة السلبية

الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي سنة 2008 قامت العديد من البنوك المركزية عبر العالم بخفض نسب الفائدة إلى ما دون الصفر بعد سلسلة من التخفيضات المتتالية التي لم تكن كافية لتحفيز النمو وزيادة معدلات التضخم، وتعتبر اليابان آخر دولة تلجأ إلى سياسة الفائدة السلبية بعد أن قام البنك المركزي بهذه الخطوة سنة 2014 بالإضافة لعدة دول أخرى أوروبية كسويسرا والسويد والنرويج.

لا شك أنه لو كنت متداولاً في أحد أسواق المال المختلفة، أو مجرد مهتم بالتطورات الاقتصادية العالمية، فإنك ستكون قد اطلعت على خبر قرار البنك المركزي الياباني مع بداية سنة 2016 بالبدء في تطبيق سعر فائدة سلبي. وتندرج هذه الخطوة في مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليابانية في محاولة منها لتحفيز النمو الاقتصادي وتجنب الارتفاع الكبير مقابل قيمة العملات الاخرى.
من خلال المقال التالي ستتعرف على سياسة الفائدة السلبية، لماذا يتم اللجوء إليها، وكيف يتم تطبيقها على أرض الواقع كإحدى أدوات السياسة النقدية للتحكم في الاقتصاد.

موضوعات مهمة: العوامل المؤثرة على قيمة الدولار الأمريكي و أزواج العملات في سوق سوق الفوركس.

تعريف الفائدة السلبية

أسعار الفائدة السلبية هي سياسة نقدية تلجأ إليها البنوك المركزية في حالات الانكماش الاقتصادي، خصوصاً أن تلك الفترات تشهد قيام الشركات والأفراد بتكديس الأموال عوضاً عن الإنفاق والاستثمار. وفي هذه الحالة يكون على المصارف أن تدفع المال للمصرف المركزي مقابل إبقاء إيداعاتها لديه، ويجب معرفة أن أسعار الفائدة السلبية تعتبر سياسة نقدية غير تقليدية، وأنه يتم اللجوء إليها عندما تبوء جميع أساليب إنعاش الاقتصاد بالفشل، ورغم أن هذه السياسة تواجه انتقادات عديدة إلا أن العديد من الدول لجأت إليها.

أمثلة على حالات استخدمت فيها سياسة الفائدة السلبية

قبل الحديث عن أبرز الأمثلة التي استعملت فيها الدول سياسة أسعار الفائدة السلبية يجب معرفة أن أسعار الفائدة السلبية تعتبر سياسة نقدية غير تقليدية، وأنه يتم اللجوء إليها عندما تبوء جميع أساليب إنعاش الاقتصاد بالفشل، ورغم أن هذه السياسة تواجه انتقادات عديدة إلا أن العديد من الدول لجأت إليها.
في بداية السبعينيات لجأت سويسرا إلى استخدام معدل فائدة سلبي في البلاد بمعدل – 0.75% لتعزيز قيمة عملتها (الفرنك السويسري) أمام العملات الأخرى، حيث أن استخدام أسعار فائدة سلبية في هذه الحالة سيحبط المستثمرين من شراء العملة المحلية وبالتالي سيزيد قيمتها.
في عامي 2009 و2010 استخدمت السويد أسعار الفائدة السلبية بمعدل – 1.1% لمنع تدفق ما يعرف بـــ Hot Money وهي رؤوس الأموال التي تتدفق من دولة إلى أخرى للحصول على مكاسب من تغير سعر الفائدة، وهذا النوع من الأموال يؤدي إلى عدم استقرار في السوق، وحذت الدنمارك حذو السويد باتخاذها نفس الخطوة في عام 2012 حين عانت من تدفق المال الباحث عن فوائد سريعة.

بدوره البنك المركزي الأوروبي قام باعتماد سياسة أسعار فائدة سلبية في عام 2014، وقرر أن يقوم بتطبيقها على الإيداعات المصرفية فقط وكان الهدف من ذلك منع وقوع منطقة اليورو في دوامة من الانكماش المالي، حيث وضع فائدة سلبية بمعدل – 0.3%.
أحدث استعمالات أسعار الفائدة السلبية كانت في شهر يناير من عام 2016 عندما فاجأ بنك اليابان الأسواق العالمية عبر اعتماده لأسعار فائدة سلبية للمرة الأولى في تاريخه، حين أعلن أنه سيطبق فائدة سلبية بمعدل -0.1% على الاحتياطيات التي تودعها المؤسسات لديه. حيث كان سعي اليابان لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أساس هذه السياسة النقدية.
في حين أن الإيداعات الموجودة لدى بنك اليابان أصلاً والتي تبلغ 1.8 مليار دولار استمرت بكسب نسبة 0.1% السابقة لاستخدام الفائدة السلبية، ورأى العديد من الخبراء في الخطوة اليابانية عملاً لتخفيض قيمة الين الياباني قبل حصول تراجع إضافي في عملة الصين اليوان والتي تعتبر المنافس التجاري الرئيسي لليابان.
ويتوقع أن تستمر اليابان في تخفيض أسعار الفائدة السلبية في الفترة حتى تصل إلى نسبة 0.75% التي وصلت إليها سويسرا سابقاً عندما عملت على إنعاش اقتصادها.

هل سياسة الفائدة السلبية فعالة ومجدية؟

كما ذكرنا فإن سياسة الفائدة السلبية مطبقة حالياً في اليابان ومنطقة اليورو وغيرها، ومؤيدو هذه السياسة يعتبرون أن مخاطرها العملية هي أقل بكثير مما يتم تصويره عنها، لكنها تبقى سياسة نقدية لا تلقى قبولاً كبيراً من العديد من خبراء المال والاقتصاد الذين يعتبرون أن مضارّها على الاقتصاد أكبر من فوائدها.
الخبراء الماليون يوضحون أن معدلات الفائدة المنخفضة ومن ثم السلبية لها تعبات سلبية كبيرة على المدخرين، حيث أن الأفراد الذين يهدفون في تأمين دخل أعلى لمرحلة التقاعد يصبحون مضطرين لادخار مبالغ أكبر في ظل الفائدة السلبية مما يعني خفض إنفاقهم، وهو ما يعاكس الأهداف الأصلية لسياسة الفائدة السلبية والتي تهدف لتحفيز الإنفاق والاستثمار.

أحد مسؤولي صندوق النقد الدولي اعتبر أن أسعار الفائدة السلبية لها أضرار مستقبلية على المجتمع، خصوصاً إذا كانت طويلة الأمد، حيث أنها تلعب دوراً ذا تأثير سلبي على برامج التأمين على الحياة وصناديق التقاعد والادخار العام وغيرها.
كذلك تعتبر ردة فعل المدخرين عاملاً هاماً لا يمكن تجاهله، وهي من أهم العقبات التي تواجهها أي سلطات عندما ترغب بفرض سياسة فائدة سلبية، ففي اليابان مثلاً حاول بنك اليابان المركزي استثناء ودائع الأفراد من التأثير الكلي للفائدة السلبية، لكن بعض المصارف بدأت تفرض رسوماً على الودائع الخاصة بصناديق التقاعد لديها، وهو ما أثار غضب الكثير من المدخرين ومعارضتهم لسياسة الفائدة السلبية لكونها تضر بمصالح الكثيرين.
مع ذلك فإن العديد من المصارف ما زالت تعتبر أن الفائدة السلبية لها آثار إيجابية، حيث أنها ساهمت في تراجع تكاليف التمويل وانتعاش حركة القروض في منطقة اليورو بحسب البنك المركزي الأوروبي، لكن ذلك لا يمنع أن الفائدة السلبية تعتبر من أكثر السياسات النقدية إثارة للجدل.

اقرأ أيضاً: العوامل المؤثرة على أسعار الذهب والعوامل المؤثرة على أسعار النفط

هل نجحت الفائدة السلبية مع بنك اليابان؟

في يناير/كانون الأول 2016، قرر بنك اليابان اعتماد سياسة الفائدة السلبية في ثالث أكبر اقتصاد في العالم، بدءا من 16 فبراير/شباط من العام ذاته، بهدف تحفيز الإقراض ورفع معدل التضخم وإنعاش اقتصاد يعاني من صعوبات، في إجراء استثنائي مبرر بالتقلبات الحالية التي تشهدها الأسواق.

وحدد البنك المركزي الياباني معدل فائدته على الودائع بـ0.1-%، وهي أداة تهدف الى تغريم المصارف التي تحتفظ بالسيولة في خزائنها بدلا من إقراضها، وفرض المركزي القرار على بعض الاحتياطيات الفائضة، التي تحتفظ بها المؤسسات المالية لدى البنك المركزي بلا تغيير عند 0.1- بالمئة.

استخدم بنك اليابان سعر الفائدة السلبي لمواجهة الركود الكبير الذي تعرض له
بنك اليابان ما زال يستخدم سياسة أسعار الفائدة السالبة حتى الآن، إلا أنها لم تحقق النتيجة المرجوة

وقال المركزي الياباني حينها إن هذا الإجراء يمكن أن يوسع “اذا كان ذلك ضروريا”. وجاء قرار بنك اليابان في ختام أول اجتماع لمجلس حكامه في ذلك العام، وبعدما رسمت البيانات الرسمية صورة مقلقة للنمو الاقتصادي المتوقع.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، قال هاروهيكو كورودا، محافظ المركزي الياباني، إن البنك سيعمق أسعار الفائدة السلبية أو يتوسع في شراء السندات إذا واجه الاقتصاد صدمات خارجية تفرض حاجة “كبيرة” إلى مزيد من التيسير النقدي.
وأضاف أنه لا يرى ضرورة ملحة لزيادة إجراءات التحفيز في الوقت الذي يواصل فيه الاقتصاد الياباني تعافيه بوتيرة متوسطة.
وفي يوليو/تموز 2019، أكد بنك اليابان على استعداده لمزيد من التيسير من أجل استباق المخاطر، التي من شأنها أن تضع ضغوطًا سلبية على التضخم المستهدف البالغ 2٪، بينما تدرس استخدام أربع أدوات سياسية لتحقيق أهدافها، بما في ذلك: زيادة معدلات الفائدة السلبية، وخفض العائد المستهدف لأجل 10 سنوات، وزيادة في شراء الأصول وزيادة طباعة النقد.

ما هي تجارة العملات الأجنبية وكيف نؤسس مشروع تداول ناجح؟

تأثير سياسة الفائدة السلبية على الاقتصاد وسوق المال

ذكرت البنوك المركزية التي تتبني سياسة “الفائدة السلبية” إيجابيات هذه السياسة، خاصة في مواجهة الركود ورغبتها في وصول التضخم إلى 2% كحد لرفع أسعار الفائدة، لكن خبراء ورؤساء بنوك مركزية كبرى رفضوا هذه السياسة النقدية.

عدد من قادة الدول دائما ما يصرحون بأهمية تخفيض الفائدة، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة ورجب طيب أردوغان في تركيا، باعتبار أن الفائدة العالية لاتحمي وحدها من التضخم ولكنها بالتأكيد تؤدي لانكماش الاستثمارات المحلية وزيادة ديون البلاد.

وتجد سياسة خفض الفائدة لها مؤيدين باتساع الوقت، ولكن في الوقت ذاته هناك انتقادات توجه إلى الخفض الشديد لدرجة الوصول لفائدة سلبية، ويرى هؤلاء أن أسعار الفائدة يجب أن تكون متوازنة وألا تكون البديل الوحيد لمواجهة الركود.
يقول مكتب “أوكسفوردز ايكونوميكس” للدراسات في تقرير سابق، إن هذا الاختبار لوضع المصارف حرك من جديد قلق الأسواق حيال “قدرة المصارف على زيادة أرباحها في ظروف من النمو الضعيف ونسب الفوائد المتدنية بالرغم من أن مشكلات المردودية غير مرتبطة بمسائل الملاءة، اقله على المدى القريب”.

ومن أصل 51 مصرفا اختبرتها الهيئة المصرفية الأوروبية، ثمة 13 مصرفا ستعاني من تدهور كبير في نسبة رأس المال السهمي لديها، أي تقديمات المساهمين والاحتياطات والأرباح المخزنة، بمقابل الديون.
وتعاني البنوك الأوروبية بسبب الفائدة السلبية من معدلات الفائدة المتدنية التي تقلص هامش الأرباح، ومن ثم باتت تعتمد مجموعة من التدابير لمواجهة هذا الوضع والحفاظ على مردوديتها، من بينها خطط تسريح الموظفين وتقليص الشبكات، وتنويع المنتجات مثل إيجار السيارات لفترات طويلة والتأمين وتخصيم الديون.

وتسببت أسعار الفائدة المنخفضة وبرامج المركزي الأوروبي لطبع النقود، والتي تعرف بالتيسير الكمي في تشويه أسعار الأصول وانخفاض أرباح شركات التأمين من الاستثمارات، وغالبيتها في السندات.

أسعار الفائدة السالبة تدل على أن الاقتصاد يعاني، لهذا تنخفض قيمة العملة عند تطبيقها
تطبيق سياسة أسعار الفائدة السلبية يخفض قيمة العملة بشكل واضح

ويقول الاقتصادي الأميركي من أصل مصري محمد العريان، في تصريحات سابقة لوكالة “رويترز”، عن “الفائدة السلبية”، إن تخفيض اليابان واحد من أسعار الفائدة الرئيسية إلى المنطقة السلبية يسلط الضوء على آمال البلاد في إضعاف الين لرفع معدل التضخم.

وأضاف العريان أن “الدول تسعى الى تحقيق أهدافها الداخلية بصرف النظر تقريبا عن التداعيات الدولية”.
أما رئيس بنك التسويات الدولية أوجستين كارستنز، فقد حث البنوك المركزية الكبرى في العالم على توفير ذخيرتها لتباطؤات اقتصادية أشد حدة، بدلا من استنزافها سعيا وراء زيادة النمو.

وفي معرض تقديمه للتقرير السنوي للبنك الذي مقره سويسرا، ويُعرف بالبنك المركزي للبنوك المركزية العالمية يونيو/حزيران الماضي، أبلغ كارستنز الصحافيين أن أي تيسير نقدي ينبغي أن يُدرس بعناية مع الاقتصاد في تطبيقه، متابعا أن “السياسة النقدية ينبغي أن يُنظر إليها كعامل مساند وليس كرأس حربة في استراتيجية لتحفيز نمو أعلى مستدام”.

وحذر من أن الاستخدام المستدام قلص من تأثير سياسات، مثل أسعار الفائدة السلبية أو التيسير الكمي. وقال كارستنز “ما قدر التحفيز الإضافي الذي ستحصل عليه بخفض الفائدة 25 نقطة أساس أخرى؟ الغلة ستتناقص من ذلك”.

أما وزير الخزانة الأميركي ستيفن مينوتشن، فقد عقب على قرار المركزي الأوروبي بخفض سعر الفائدة على الإيداع في سبتمبر الماضي، قائلا إنني ” لم أتفاجأ بقرار المركزي الأوروبي، ولكن معدلات الفائدة على الإيداع السلبية في أوروبا مثيرة للقلق، لأنها تجعل من الصعب على الاقتصاد الأميركي أن ينمو”.
من جانبه، قال محافظ بنك إنكلترا، مارك كارني، حول معدلات الفائدة والتضخم أغسطس/آب الماضي، إنه يرى أن الفائدة السلبية لن تكون خيارا متاحا أو جيدا في هذه المرحلة، مضيفاً أنه لا يرجح تغيير هدف التضخم عن النسبة 2%.

في مقابل ذلك، مازال هناك من يؤيد الفائدة السلبية كخيار في مواجهة الركود والتوترات الاقتصادية العالمية الحالية، فمحافظ الاحتياطي النيوزلندي أدرين أور، يقول إن الفائدة السلبية لا تزال خياراً محتملاً، مؤكدا احتمال لجوء بلده لهذا الخيار من أجل تحفيز الاقتصاد.

إن كان لديك أي استفسار، بامكانك ترك تعليق عبر أداة فيسبوك للتعليقات أدناه وسيتم الرد عليك في أقرب فرصة، في حال أعجبتك مقالاتنا، بالامكان الاشتراك في نشرتنا البريدية في الأسفل أو متابعتنا عبر حساباتنا في منصات التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا أولاً بأول.

مقالات ذات صلة بكلمات مفاتيح


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق